مقالات

النظام القانوني لتملُّك الأجانب للعقارات بالمغرب

شهد المغرب في الآونة الأخيرة حركة نزوح ملحوظة للأجانب للإستقرار به، وذلك لعدة أسباب، منها ما هو مرتبط بالجانب الاقتصادي كتكلفة العيش المنخفضة بالمملكة مقارنة مع الدول الأوربية، ومنها ما هو مرتبط بالجانب القانوني: حيث يوفر النظام القانوني المغربي ترسانة قانونية مهمة توفر للأجانب استثمار أموالهم داخل تراب المملكة المغربية، ويتيح لهم التمتع بالحقوق التي يكفلها القانون للمواطنين المغاربة. ومن بين هذه الحقوق حق الملكية والتي كرسها الدستور المغربي المعدَّل سنة 2011 دون تمييز بين أجنبي أو مغربي، حيث نص في فصله الخامس والثلاثين على أنه: ”يضمن القانون حق الملكية، ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون. (..)”

غير ان حق الملكية بالنسبة للأجانب ليس حقا مطلقا، بل تؤطره نصوص قانونية خاصة تحد من نطاقه، وتحدد مساطر خاصة لاكتسابه.

وسنتناول في هذا المقال تعدد النصوص القانونية المؤطرة لحق تملك الإجانب للعقارات بالمغرب، وصعوبة المساطر الموضوعة لتملُّك الأجانب للعقارات بالمملكة المغربية.

أولا: النصوص القانونية المؤطرة لاكتساب الأجانب لحق الملكية بالمغرب

إن النصوص القانونية المنظِّمة لاكتساب ملكية العقارات بصفة عامة بالمغرب متعددة وذلك نظرا لازدواجية النظام العقاري المغربي بين نظام التحفيظ العقاري ونظام العقار غير المحفظ. هذه النصوص القانونية التي تم إصدارها على فترات من تاريخ المملكة باعتبار الظروف الاجتماعية والسياسية، يمكن إجمالها فيما يلي:

  • ظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بقانون الالتزامات والعقود كما تم تعديله وتتميمه؛
  • ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه؛
  • القانون رقم 39-08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية كما تم تعديله وتتميمه.

كما أن النصوص القانونية التي لها صلة بالعقارات في ارتباطها المباشر بالأجانب متعددة وهي:

  • الظهير الشريف رقم 171/59/1 المؤرخ في 12 ماي 1959 بشأن العمليات العقارية التي تحققها دولة أجنبية أو مؤسسة عمومية أجنبية؛
  • الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 645/73/1 المؤرخ في 23 أبريل 1975 المتعلق باقتناء العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة خارج الدوائر الحضرية؛
  • الظهير الشريف رقم 613/73/1 المؤرخ في 2 مارس 1973 المتعلق باسترجاع الأراضي الفلاحية من الأجانب؛
  • الظهير الشريف رقم 345/63/1 المؤرخ في 13 نونبر 1963 ينظم تملك الأجانب و الأشخاص المعنوية للأراضي الفلاحية؛
  • الظهير الشريف رقم 288/63/1 المؤرخ في 26 شتنبر 1963 الخاص بمراقبة العمليات العقارية الواجب إنجازها من طرف بعض الأشخاص و المتعلقة بالأملاك الفلاحية القروية؛
  • الظهير الشريف رقم 1.63.289 الصادر في 7 جمادى الأولى 1383 (26 شتنبر 1963) بتحديد الشروط التي تسترجع الدولة بموجبها أراضي الاستعمار.

وباستقراء هذه النصوص، فإن مسطرة تملك الأجنبي لعقار داخل التراب المغربي هي مسطرة معقدة نوعا ما باعتبار طبيعة العقار المراد تملكه وباعتبار جنسية الأجنبي. وهذا ما سنتناوله في النقطة الثانية.

ثانيا: مسطرة تملُّك الأجانب للعقارات بالمغرب

لتبسيط مسطرة تملُّك الأجانب للعقارات بالمغرب، لابد من التمييز بين طبيعة العقار موضوع التملُّك وجنسية الأجنبي المتملِّك.

بالنسبة لطبيعة العقارات:

حيث يجب التمييز ما إذا كان العقار حضريا أو قرويا:

فيما يخص العقارات الحضرية:

إن تملك عقار بالمجال الحضري للملكة المغربية من طرف أجنبي لا يمكن أن يتم عن طريق الحيازة، حيث تنص المادة 239 من مدونة الحقوق العينية على أن ”الحيازة لا تقوم لغير المغاربة مهما طال أمدها”.

وبالتالي فإن المدخل إلى الملكية من طرف الأجنبي يتم غالبا عن طريق الشراء والذي يخضع للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الإلتزامات والعقود وخاصة في الفصول المتعلقة بالبيع العقاري.

وباسقراء هذه الفصول فإنها لا تميز بين مغربي أو أجنبي، وإنما وضعت شروطا عامة كالتراضي بين العاقدين وإتفاقهما على المبيع والثمن وشروط العقد الأخرى، كما أن التصرفات العقارية يجب أن تحرر بمقتضى عقد رسمي يتلقاه مهنيو العقود وذلك بمقتضى المادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية.

وإذا رغب الأجنبي بيع عقار يملكه بالمغرب واستثمار الربح المحقق  داخل المغرب، فهو مثله مثل باقي المغاربة حيث يتمتع بحرية بيع العقارات سواء لمغاربة أو أشخاص أجانب باتباع المسطرة العامة في البيوع العقارية ودون سلوك أي مسطرة خاصة.

أما إذا رغب في تحويل الربح المحقق خارج المغرب فإن هناك نظاما يسمى نظام تحويل الدرهم يمكِّن الأجانب من تحويل مداخيلهم المحققة بالمغرب إلى الخارج بطريقة مباشرة عن طريق الحسابات البنكية المحولة بالعملة الأجنبية ولا يشترط في ذلك سوى أداء الضرائب المفروضة بمقتضى القوانين الوطنية والرسوم المتعلقة بالتحويل، وذلك بمقتضى المادة 16 من قانون الإطار رقم 18-95 بمثابة ميثاق الاستثمارات، والتي تنص على أن “الأشخاص الطبيعيون أو المعنويون الأجانب سواء أكانوا مقيمين أم غير مقيمين وكذا الأشخاص الطبيعيون المغاربة المستقرون بالخارج الذين ينجزون في المغرب استثمارات ممولة بعملات أجنبية، يستفيدون فيما يخص الاستثمارات وبالنظر إلى الصرف، من نظام لقابلية التحويل يضمن لهم كامل الحرية للقيام بما يلي :

  • تحويل الأرباح الخالصة من الضرائب دون تحديد للمبلغ أو المدة؛
  • تحويل حصيلة بيع الاستثمار أو تصفيته كلا أو بعضا بما في ذلك زائد القيمة”.

فيما يخص العقارات القروية:

كما هو الشأن بالنسبة للعقارات داخل المجال الحضري فإن العقارات في المجال القروي لا يمكن للأجنبي تملكها بالحيازة وذلك بمقتضى المادة 239 من مدونة الحقوق العينية المشار إليها أعلاه، وبالتالي فإن المدخل لتملك الأجانب للعقارات الواقعة بالمدار القروي هو الشراء الذي يخضع للقواعد العامة التي تناولها بصدد الحديث عن تملُّك العقارات الحضرية، غير أن المجال القروي بالنسبة الأجانب غير متاح للتملك بسهولة.

ذلك أن الفصل الأول من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.645 بتاريخ 23 أبريل 1975 يتعلق باقتناء العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة خارج الدوائر الحضرية والمنشور بالجريدة  الرسمية عدد 3264 ص 1392)، ينص على أن: ”اقتناء العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة الكائنة كُلاًّ أو بعضاً خارج الدوائر الحضرية يُحتفظ به للأشخاص الذاتيين أو المعنويين المغاربة الآتي بيانهم:

  • الدولة؛
  • الجماعات المحلية؛
  • المؤسسات العمومية؛
  • الجماعات الجارية عليها مقتضيات الظهير الشريف الصادر في 27 أبريل 1919 والذي نسخ بمقتضى المادة 37 من القانون رقم 17-62 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها؛
  • الأشخاص الذاتيون؛
  • الشركات التعاونية الفلاحية التي يكون أعضاؤها أشخاصاً ذاتيين مغاربة فقط وكذا اتحاداتها؛
  • الأشخاص المعنويون الجاري عليهم القانون الخاص الذي يكون الشركاء أو الأعضاء لديهم أشخاصاً ذاتيين مغاربة باستثناء الشركات ذات الأسهم.”

قبل صدور هذا النص القانوني كان يمكن للأجنبي اقتناء عقار واقع بالمدار القروي المغربي وذلك بعد الحصول على ترخيص مسبق من طرف السلطات وهو ما كان ينص عليه الظهير الشريف المؤرخ في 27 نونبر 1959.

بالنسبة لجنسية الأجنبي المتملِّك:

إن جنسية الأجنبي لا تلعب دورا في كونه يستطيع تملك عقار بالمغرب، فبالنسبة للعقارات الحضرية، فإن الأجانب من جميع الدول التي تعترف المملكة المغربية بكونها دولا وفقا لمبادئ القانون الدولي يمكنهم تملك العقارات الحضرية بدون قيود.

أما بالنسبة للعقارات الواقعة في المدار القروي فإن الأجنبي لا يمكنه تملك عقار قروي وفقا لما ذكرناه أعلاه، وذلك بغض النظر عن جنسيته.

غير أن هذا المبدأ يعرف استثناءً، ويتعلق الأمر بالدول التي أبرم المغرب معها اتفاقية ثنائية قصد الترخيص لرعايا تلك الدول باقتناء العقارات القروية بغض النظر عن القيود المفروضة على الأجانب، وفي هذا الإطار فإن المواطنون التونسيون يمكنهم اقتناء العقارات القروية بالرغم من القيود المشار إليها في الفصل الأول من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.645 بتاريخ 23 أبريل 1975 المشار إليه أعلاه، وذلك طبقا للفصل الخامس من اتفاقية الاستيطان المبرمة بين المغرب وتونس بتاريخ 09 دجنبر 1964 والذي يسمح لرعايا كلا الدولتين بتملك عقارات في تراب الدولة الأخرى شأنهم في ذلك شأن مواطينها.

كما أن المواطنون السينغاليون يتمتعون بنفس الامتياز، حيث أبرم المغرب اتفاقية مشابهة للاتفاقية المبرمة مع تونس في 27 مارس 1964، تسمح لمواطني كل دولة باقتناء عقارات بتراب  الدولة الأخرى.

إن صعوبة الولوج للعقار القروي من طرف الأجانب سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أم معنويين خلق مشكلا للدولة، حيث أن الاستثمار الأجنبي في العقار الفلاحي يبقى قليلا جدا، خاصة إذا علمنا أن الأراضي الفلاحية تشكل نسبة مهمة من الأراضي المنتجة بالمغرب، مما يستدعي إعادة النظر في التشريع الذي يحد من ولوج الأجانب للملكية الفلاحية.

وفي هذا الإطار قامت الحكومة بصياغة مشروع قانون يحمل الرقم 62-19 يتعلق باقتناء شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم عقارات فلاحية أو قابلة للفلاحة خارج الدوائر الحضرية، يغير ويتمم الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.73.645 بتاريخ 23 أبريل 1975 المشار إليه أعلاه، وأحالته على البرلمان للمصادقة عليه طبقا للمساطر الجاري بها العمل.

ويروم مشروع القانون هذا فتح الطريق أمام المُستثمرين الأجانب، سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أو معنويين، وذلك لاقتناء العقارات الفلاحية الموجودة في المناطق القروية، بغاية الرفع من الإنتاج والمردودية والتحفيز على التشغيل في العالم القروي، مع الحفاظ على الطابع الفلاحي للأراضي المعنية، كما جاء في في تقديم نص مشروع القانون.

غير أن مشروع القانون هذا قد قيَّد الولوج للعقار القروي من قبل الأجانب بعدة شروط تتمثل أساسا  في أن يكون العقار موضوع الاقتناء قابلاً للتفويت ومحظفاً أو في طور التحفيظ وأن تحصل على الموافقة المسبقة بالاقتناء من اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار المنصوص عليها في القانون المتعلق بالمراكز الجهوية للاستثمار.

مشروع القانون هذا تمت الموافقة عليه من طرف البرلمان المغربي وتم نشره بالجريدة الرسمية ودخل حيز التطبيق. للإطلاع على المستجدات التي جاء بها هذا النص القانوني راجع مقالنا: القانون رقم 62.19 يفتح الباب أمام الأجانب للولوج للعقار الفلاحي بالمغرب.

التعليقات:

اقرأ أيضا:

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي!